متابعات | تسامح نيوز
كتب – عزمي عبدالرازق
أصوت المدافع التي انطلقت بعنف فجر الخميس الماضي أيقظت سكان جزيرة توتي وأحياء أم درمان القديمة، وميض المسيّرات يبدو كالشهب، رجوماً للجنجويد، يحاكي صدى النيل نداء باولو سورِّنتينو لعشاق نابولي”يا ملاح الجندول خُذني إلى مقرن النيل”. كان العقيد ركن إبراهيم حسين راشد ساعتها قد وضع رأسه على مسندة من الصوف الخشِن، وهو إذ يراجع للمرة الأخيرة تفاصيل خطة الهجوم، تناول ثلاث تمرات، ثم نوى الصيام، كدأبه منذ أول يوم وطأت فيه أقدامه حرم الكلية الحربية، قبل 27 عاماً تقريباً، تحديداً في العاشر من مارس 1997، قادماً حينها من دار قِمر في أقاصى الغرب السوداني، ليضئ الفيضة على شرفات الدفعة (47)، وقد تجلت فيه سمات القيادة منذها.
يتأبط ود راشد رسماً بيانياً مخدوماً بالمعلومات الاستخباراتية و الإحداثيات حول منطقة القتال، الدغل الخانق، البنايات العالية، بنادق القناصة، النيران الكثيفة، الزمن الذي يستغرقه عبور الطليعة الأولى لجسري الفتيحاب والسلاح الطبي، بالتزامن معاً، كل شيء، كل شيء.. وبالرغم من خطورة المهمة، فهو عازم على بلوغها، ولو أدى ذلك إلى المخاطرة بحياته، كما أقسم يوم التخرُّج. لطالما ما حاول عبد الرحيم دقلو شراء ولاء العقيد إبراهيم حسين، أغراه بالذهب والدولار، ولكن هيهات، إبراهيم ليس له ثمن.
لقد اختار العقيد ركن إبراهيم حسين مجموعة الاقتحام بنفسه، وقام بتدريبهم جيداً، حينها وقبيل هنيهة من ساعة الصفر، كانت خطوات قائد سلاح المهندسين اللواء ركن ظافر عمر تكركر في الحصى، يلقي نظر أخيرة على ساعده الأيمن في معظم معارك أم درمان، شارع العرضة والإذاعة والتلفزيون، كذلك حي الدوحة، لطالما كان اللواء الظافر يدخره لحالِكات المعارك، وهو أحد رموز العمل الخاص في المدينة القديمة التي تغنى لها الخليل “ماهو عارف قدمو المِفارق”، كما أن إبراهيم ابن المدينة البعيدة كان أمَّة في الشجاعة، وهو يعلم أن نصفه الآخر الجميل ينتظره في كل دقيقة، وحتى الآن من هذه اللحظة المحتشدة بالنيران لا زال يترقب حضوره، ضحكته، ويحن إلى صوته الرخيم في تلاوة القرآن، وإبريق القهوة الذي يضع على رائحته خططه العسكرية العظيمة.
يخاطب العقيد ود راشد قواته بلهجة صاخبة ” لسنا مجموعة انتحارية، نحن فدائيون” تنفجر التكبيرة الأولى، يشد على يد رفاقه، بعد أن مّلكهم خطة الاقتحام المباشر، وتحديد محور القوة والحركة، ميدان المعركة الافتراضية، والمنطقة التي يجب توجيه جميع الطاقات نحوها، وهى نقطة حاسمة من المهم اكتسابها للتأثير على نتيجة الهجوم، ثم زحف الجيش القليل بسرعة مهولة لصناعة الطريق ..
بقية قصة العبور داخل الرابط
